ملوك النحو في الخريف* عزت القمحاوي
28 - 01 - 2012

لم
يتأخر العسكر المصريون عن تسليم السلطة بضعة أشهر فحسب، هم يجلسون في الممنوع من 1954 بعد أن أزالوا الملك وجلسوا مكانه مجلسًا من الملوك الصغار سرعان ما تحول إلى ملكية عسكرية فردية، وها هي مصر تعود كما بدأت مجلسًا من الملوك الهرمين يضعون قدمًا على رقاب الحياة وأخرى في القبر.
أجرم الملوك الصغار عام 1952 بالخطأ، حتى لو كان خطؤهم الوحيد هو استمرار سلالتهم المتدهورة في الحكم، ولكن جرم هذا الصنف الأخير من السلالة الآفلة مقصود وفيه سبق إصرار وترصد.
ديست قواعد الكفاءة وأعملت قواعد الاستتباع على مدار ثلاثة أرباع القرن، وأصبح ملوك مصر ملوكًا لا ترد لهم كلمة، بعد أن صادروا النحو وصاروا ملوكه كذلك. أبطل الضباط كل قاعدة إلا قاعدة الاستثناء.
الاستثناء في الفرص رفع الأسافل، والاستثناء في الظروف كمم الرعية، لأن كل وقت هو وقت عصيب واستثنائي، والاستثناء في الأحكام لإبطال كل القوانين. وبفضل ‘إلا’ الرهيبة عاش ملوك النحو محميين يراكمون امتيازاتهم باسم مؤسستهم، أحيانًا لأنها منتصرة وغالبًا لأنها مهزومة ويجب على الرعية الانتظار حتى تنتصر. لكن المؤسسات لا تأكل ولا تشرب، هي مصالح الضباط الذين جعلوا من البلاد مزرعة خلفية يواصلون فيها تفوقهم بعد التقاعد عندما يعينون محافظين ووزراء ورؤساء مدن، حتى رئيس محو الأمية ضابط سابق.
محو الأمية أو محو الذاكرة، لا فرق؛ فالثابت أن ملوك النحو اطمأنوا إلى مواقعهم، ولم ينتبهوا على مدى سنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أنهم يفقدون رعيتهم المجبولة على النسيان والتي حل محلها جيل جديد له عقل وذاكرة ويصر على استعادة البلاد والنحو علاوة على ذلك.
لم يصدق الشباب النفي المتأخر ‘لم أكن أنتوي الترشح’ ومضوا في ثورتهم التي التف عليها نصف فريق مبارك بدعوى حمايتها ليواصلوا إبطال قواعد النحو ونواميس الوجود كأن شيئًا لم يكن.
لم يعط المجلس العسكري للمصريين شيئًا ضئيلاً إلا عقب إراقة دم جديد، ناهيك عن إفساد قواعد اللعبة السياسية بتقديم الانتخابات على الدستور والإصرار وسط هذا التوتر على إجراء انتخابات المجلس التافه الذي بلا صلاحيات ‘مجلس الشورى’ أو المكلمة التي افتتحها السادات ليجامل بمقاعدها من فاته أن يجاملهم بكراسي مجلس الشعب. مجلسان بلا صلاحيات ولا يستطيعان تشكيل الوزارة، وها هو يدعو لانتخابات يختار فيها المصريون رئيسًا لا يعرف صلاحياته، أو ربما يعرفها؛ فهي صلاحيات الملك القديم.
ولن يرقى أي جرم ارتكبه مجلس ملوك الخريف في رمزيته إلى الدرجة التي بلغها جرم التصويب على العيون؛ فمجلس ملوك الاستثناء لم يعد يشعر بالألفة مع شعب جديد أغلبيته من الشباب طازج الذاكرة، وقد فشلت قنابل الغاز في منعه من التذكر؛ فكان لابد من إفقادة الرؤية بطلقات الخرطوش. ولكن الشباب الذين لم تدسهم المدرعات لا يزالون على إصرارهم، من له عين يسحب الأعمى، مصرين على استعادة الوطن.
وعندما وقف رئيس المجلس العسكري عشية 25 يناير يعلن إنهاء حالة الطوارىء ‘إلا في حالات البلطجة’ كان يتصور أنه يستبق الموجة الثانية من الثورة بهذه العطية الخالية من المعنى، بينما لا يدرك أن الشعب الجديد الذي له ذاكرة يتذكر كل المرارات التي جلبتها أسوأ قواعد النحو.
هذا الاستثناء بـ ‘إلا’ لا يضمن خروج مواطن واحد من قفص الأحكام الاستثنائية، إذ لا يستطيع أي معارض أن يقول لعساكر ملك النحو وبلطجيته عندما يهجمون عليه إنه ليس بلطجيًا. ولهذا فالهدية مردودة، والتصميم كل التصميم على استعادة البلاد وقواعد النحو علاوة على ذلك.
وهذه هي المعركة الأخيرة بين الربيع والخريف.
لا تعليقات لـ “ملوك النحو في الخريف* عزت القمحاوي”