مجلس وطني للثورة المصرية * عزت القمحاوي
05 - 02 - 2012

وحدة
مصر وسورية التي لم تنجح الأيديولوجية القومية في الحفاظ عليها استعادتها مجددًا الأيديولوجيا الدموية. يوم الأربعاء فاق عدد الشهداء المصريين نظراءهم السوريين بخمسة عشر شهيدًا. وقد بات واضحًا أن جنون الحكم لا يستثني بلدًا ولا يستثني أحدًا، وأن ما يفرق بين طغاة مصر واليمن وليبيا وسورية ومن لم يسقط بعد من طغاة مجرد مظاهر: مظهر الجنون المطابق للحالة هنا، مظهر التخلف العقلي المنغولي هناك، أو مظهر التعقل الكاذب في مكان ثالث.
مدهش أمر العساكر المصرية الذين اتخذوا مظهر العقل، بينما يتصرفون بغريزة غير واعية.
لو كان حسني مبارك مكانهم اليوم لأدرك ذلك البليد أن الزمن تغير وأنه لابد أن يعطي للناس شيئًا بعد الخامس والعشرين من يناير، أما عساكره فتصرفوا كما لو أن شيئًا لم يكن، لا دم ولا غضب ولا بلد استيقظ ولن ينام!
بعد حقبة ‘الجيش والشعب إيد واحدة’ التي لم تدم أيامًا معدودة بعد خلع مبارك في 11 فبراير 2011، سرعان ما بدأت حقبة الشك التي دامت حتى تاريخ التنازل عن دم ستة من العسكريين المصريين قتلتهم إسرائيل مجددًا في أكتوبر الماضي، حتى ذلك التاريخ كان التساؤل حول طبيعة ما يحدث: فشل لقصور في الوعي أم تخطيط وتدبير؟ وجاء التنازل عن الدم المصري ليؤكد أن عقيدة النظام لم تزل كما هي.
ثم كان دهس المتظاهرين أمام ماسبيرو بداية لحقبة الصراع المكشوف بين العسكر والثورة قد ترسخت مسيرة السفور بمعارك وسط القاهرة وصولاً إلى مذبحة الأربعاء البشعة في بورسعيد التي لا تستهدف فقط مستقبل السلم الأهلي، بل تطال تاريخ مدينة الصمود التي انتصر أهلها على العدوان الثلاثي حين انهزم الجيش عام 1956.
صار واضحًا اليوم إلى أي حد انتقلت مصر من يد خائنة إلى أيد ليست أمينة. وبات واضحًا أن مجرمي الإقليم الجنوبي في دولة الوحدة لا يختلفون عن مجرمي الإقليم الشمالي إلا بالعدد.
القتل بقلوب باردة، دس البلطجية على الثوار، تشويه المعارضين واعتقالهم، اتخاذ إجراء شكلي بانفتاح سياسي وسحبه في اللحظة ذاتها. التضحية بالأبرياء في كل الأحوال وبعناصرهم أحيانًا لمجرد إدانة الثوار وتشويه الثورة.
هذا التطابق في سعار السلطة يجعل عسكر مصر أسوأ إذا ما تغاضينا عن عدد الضحايا كمعيار (من قتل نفسًا واحدة فكأنما قتل الناس جميعًا) وعلى صعيد الوعي فإن المقارنة ترجح عقل النظام السوري الذي يعتبره المراقبون خارج حدود المنطق، إذ إن هذا النظام فاجأته الثورة وكان لا يتصور أن يهتز الصولجان في يده ومن الطبيعي والحال هكذا أن تصيبه الثورة بلوثة، بينما تُرتكب في مصر الحماقات نفسها عقب ثورة أخذت في طريقها ألف روح نبيلة وأعاقت نحو عشرة آلاف عن ممارسة حياة طبيعية بقية أعمارهم وأزاحت الديكتاتور البليد على أية حال.
الاختلاف الآخر بين الثورتين أن المصرية سبقها حراك سياسي ضخم على مدار عشر سنوات صنعته نخبة كانت تتسع يومًا بعد يوم، بينما كانت الثورة السورية نتاج غضب مكتوم بلا مقدمات إلا من خلال بضع مئات من المثقفين المعزولين قسرًا بالسجن والنفي. وهذا الاختلاف كان من شأنه أن يجعل قوى الثورة المصرية أكثر تنظيمًا مما هي عليه الآن.
التنظيم أثناء الثورة كان عبقريًا، احتجاجات الشباب والعمال الضخمة من المحلة إلى الإسكندرية كانت مدهشة في تنظيمها وجلال رسائلها، بينما كانت الحركات التي فتحت باب الاحتجاج مثل ‘كفاية’ ترفد حركة الشباب وتدفئها.
ولكن للأسف، بعد عام من الثورة بدت القوى مشتتة أو ربما مذهولة من هول الخديعة. ويجب ألا تستمر حالة الذهول طويلاً وإلا ستصل الأمور إلى نقطة اللاعودة.
فاض خزان الغضب، الذي امتلأ جثة إثر جثة، بجريمة ترك مدرجات الستاد بلا تأمين. ومن المفترض ألا نستبق التحقيقات، لكن أي تحقيق يمكن الوثوق به عندما تكون السلطة خصمًا وحكمًا؟! الشهادات الحية تؤكد شيئين محددين: غياب قوات الأمن، وطريقة احترافية في القتل بكسر الرقبة لا يعرفها جمهور الكرة.
هذه الشواهد، التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى طلب تحقيق مستقل، رآها نواب الشعب قبل أن يبدأوا جلستهم الطارئة. لكن الجلسة كانت أكثر من مخيبة للأحلام.
هاج المجلس لأن نائبًا قال إن حكومة من الملائكة سوف تفسد طالما بقي العسكر في السلطة. لم تهتز اللحى للدم الذي خضب أرض بورسعيد واهتزت لهذا المجاز اللغوي، هل هو غضب من افتراض فساد الملائكة؟ أم خوف من تشكيل حكومة من الملائكة لا السلفيين؟!
كان بوسع المجلس المنتخب أن يقود المصريين إلى كلمة بعد هذا الحدث الجلل. أن يفرض إجراءات، أن يقرر إقالة حكومة وإن لم ينفذ العسكر القرار تصبح المواجهة محرجة وكاشفة، لكن لكن النتيجة كانت إحالة الأمر إلى لجان للدراسة كما كان يحدث في برلمانات مبارك. وهي نتيجة منطقية. فهذا هو المجلس الذي هندسه العسكر لتكون أغلبيته من الإخوان والسلفيين وأتباع النظام مع هوامش غير مؤثرة من القوى الثورية.
صار واضحًا أن العسكر وضعوا قدمين تابعتين قبل أن ينقلوا قدمًا واحدة من فوق جبين البلد. وتصاعد الغضب في ميادين التحرير. ومن العيب أن تظل القوى جداول متفرقة.
عام من النضال كاف لإفراز قيادة، والتوافق على مجلس ثورة له صلاحيات، ليبدأ في إدارة الصراع، بما في ذلك طلب التحقيق الدولي في الجرائم التي تم ارتكابها على مدار عام.
لا تعليقات لـ “مجلس وطني للثورة المصرية * عزت القمحاوي”