كلـنــا ذلـك اللـــص * بلال حسن التل

07 - 09 - 2010

الراصد نيوز

ها هو شهر رمضان يوشك على الرحيل، ولا يدري أحدنا إن كان سيدرك هذا الشهر في قابل أيامه، فلا يعلم الغيب إلا الله جلت قدرته، شرع لهذا الكون قوانين ونواميس نعلم بعضها ونجهل جلها، وأنزل لعبادة عقائد وشرائع، نعلمها كلها وإن كان جلنا يجهل مراميها الحقيقية. ومن هذه العبادات التي تقصر همتنا عن إدراك كل مراميها صوم رمضان، خاصة في عصرنا هذا، الذي انقلبت فيه الكثير من القيم وفُرغت فيه أكثر العبادات من أعظم معانيها ومراميها. عند غالبية الناس.
رمضان من هذه العبادات التي فرغها غالبية الناس من معانيها ومراميها. فالأصل ان رمضان شهر هدوء وسكينة، وحلم وتسامح. لكنه صار عندنا شهر توتر وعصبية، وصخب، يعكس سوء تصرفاتنا وسوء أخلاقنا، بحجة أننا صائمون. فهل سوء التصرف هذا المرتبط بسوء الأخلاق سببه رمضان؟ أم ان رمضان يكشف عن معادن الناس، فإذا هي خربة صدئة؟ فما علاقة الصيام بهذا التوتر، والصراخ والشجار الذي يمارسه بعضنا بحجة انه صائم؟ وهل يغيب التوتر والصراخ والشجار عنا في سائر أيام السنة لنمارسه في رمضان؟ أم صار العنف سمة من سماتنا على مدار العام؟ بدليل هذا الحجم من المشاجرات التي تشهدها جامعاتنا وساحاتنا العامة وأحياؤنا الراقية منها والشعبية. وبدليل هذا العدد من القتلى والجرحى الذين يسقطون في حوادث العنف التي يشهدها مجتمعنا على مدار العام، والتي صرنا نسميها بالعنف الاجتماعي. مما يدل على ان ا لتوتر الذي ينعكس صراخا وشجاراً في سلوكنا لا علاقة له برمضان، وإنما يجئ رمضان ليكشف طبيعتنا التي صارت عنيفة مشاكسة.
إن من دلائل العنف الذي صار جزءاً من تركيبتنا النفسية، اننا شعب يعبر حتى عن أفراحه بممارسة العنف، الذي يفضي كثيراً إلى الموت، عبر هذا الرصاص الكثيف الذي نطلقه في أفراحنا، أعراساً كانت أم نجاحاً في الدراسة. وكأن التعبير عن الفرح لا يتم إلا عبر الرصاص، الذي طالما حوَّل أفراحنا إلى أتراح.
وعلى ذكر التوتر والعنف لا بد من الإشارة إلى هذا الذي يجري في شوارعنا وعلى طرقاتنا من تجاوز لقوانين السير. ومن سرقة أموال المسافرين والركاب على خطوطنا الداخلية والخارجية. ومن هذا الزحام الذي يغلق الطرقات، والذي لا أسباب له إلا الأنانية والفوضى وغياب الرقيب الداخلي. وهي ممارسة لا علاقة لها برمضان، لأنها صارت من يومياتنا على مدار العام. إنما يأتي رمضان ليكشف هذا الجانب من سلوكنا، فإذا هو جانب أناني جشع فوضوي.
وعلى ذكر السير والسيارات، لا بد من الإشارة إلى هذا الغياب المفرط للذوق، عن طرقاتنا، ومجمل حياتنا. فما ذنب المواطن راكبا كان أم ماشياً ليكون ضحية هذا الصخب الذي ينبعث من بعض المركبات العامة منها والخاصة؟
وما ذنب المواطن بهذا (التخميس) الذي يمارسه المنفلتون من كل عقال في شوارعنا وبين بيوتنا. مهددين المارة والسكان بالموت جراء طيشهم؟
وأين الذوق في هذه الملابس القصيرة التي صار بعض المحسوبين على الرجولة يظهرون بها في الشوارع والميادين وحتى في المكاتب.
إن هذه كلها ممارسات تدل على غياب الذوق عند شرائح واسعة من مجتمعنا، يجيء رمضان ليكشفها، عندما لا يتردد هؤلاء في انتهاك حرمة الشهر الفضيل، دون أدنى ذوق. ولا نريد أن نقول خوفاً. فالذين لا يخجلون في الغالب لا يخافون، وقد قيل (إذا لم تستحِ فأصنع ما شئت).
مسلسل العنف والتوتر لا يتوقف عند حدود إيذاء المواطنين بعضهم لبعضهم الآخر. إنما امتد ليطال حتى مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسات الأمنية ورجال الشرطة. في ممارسة تشير إلى أننا لم نفقد قدرتنا على توقير بعضنا لبعضنا الآخر. بل إننا لم نعد نوقر مؤسساتنا العامة ورجال أمننا، المناط بهم حمايتنا. مما يدل على غياب قدرتنا على ممارسة الانضباط العام واحترام هيبة دولتنا، التي صرنا نهز أساساتها من خلال ممارساتنا الفوضوية والعنيفة، وهي الممارسات التي تدل على حجم العنف والفوضى اللذين صارا جزءاً من تركيبتنا النفسية.
وهذا اللهيب في الأسعار الذي صار البعض يربطه برمضان. هل يهدأ في غير رمضان أم ان أواره يظل يشتد على مدار العام؟ وإنما يأتي رمضان ليكشف طبيعتنا التي صارت جشعة محتكرة لا رحمة فيها. بل قسوة تنعكس في دائرة متكاملة من السرقة واللصوصية التي يمارسها بعضنا ضد بعضنا الآخر. فبائع الخضار الذي يرفع سعر سلعته سارقا لأثمان قوت الناس. وهو الذي يعطي للجزار مبرراً لرفع الأسعار، في حلقة جديدة من حلقات اللصوصية، التي نتواطأ فيها جميعاً.
ومثل الجزار كذلك بائع الملابس والأحذية، وسائق الحافلات والسرفيس، إلى آخر حلقات الدائرة، التي تثبت أننا لصوص يسرق بعضنا بعضنا الاخر. وإنما يأتي رمضان ليكشف طبيعتنا التي تستمرئ السرقة والجشع والاحتكار والمال الحرام. خاصاً كان هذا المال أم عاماً. (فكما تكونوا يُولَّ عليكم) وعندما يسرق الشعب بعضه، فلا غرابة ان تسرقه الحكومة، لأن السرقة صارت ثقافة عامة نستمرئها ونعتبرها ”فهلوة وشطارة” يشتد سعارها في رمضان والعياذ بالله.
وإذا كنا نتحدث عن السرقة والسراق عبر لهيب الأسعار، ودوامة الجشع والاحتكار، والعبث بالمال العام، فإنه لا يفوتنا الإشارة إلى ان السرقة لم تتوقف عند حدود أسعار المأكل والملبس، بل امتدت إلى ما هو أخطر منها. اعني الماء الذي جعل منه الله كل شيء حياً. فإذا كانت شركات المياه تسرق المواطنين عندما تبيعهم الهواء، وعندما تضيف إلى فواتيرها بنوداً ما أنزل الله بها من سلطان. فإن المواطنين يسرق بعضهم بعضهم الاخر. فالمواطن الذي يعتدي على خطوط المياه ليشرب منها ويسقي حيواناته، دون ان يدفع ثمن تلك المياه، هو لص يسرق المال العام، الذي هو حق لكل فرد من أفراد المجتمع. والمواطن الذي يتعمد حرمان جاره أو إبن حيه من وصول المياه إليه لمجرد انه في نقطة منخفضة في السكن. أو لأنه يمتلك ثمن شراء مضخة مياه قوية، هو لص يمنع أسباب الحياة عند الآخرين. والمواطن الذي يحتكر المياه ويغالي في أسعارها أو يبيعهم مياهاً ملوثة هو الاخر لص وقاتل. لا لأنه يمنع أسباب الحياة عن غيره فقط بل لأنه يقدم لهذا الغير أسباب الموت عبر المياه الملوثة. في ممارسة لا علاقة لها برمضان، لأنها تمتد على مدار أيام العام. إنما يأتي رمضان ليكشف طبيعتنا التي صارت لا تبالي بالوسيلة مهما كانت قذرة ان كانت تحقق لنا ربحا. وان كان حراما بل ومغموساً بالدم.
خلاصة القول: ان ما يقود سلوكنا خلال رمضان لا علاقة له بالصيام والقيام. لكن رمضان يكشف حقيقة طبائعنا فإذا كلنا ذلك اللص ولا أريد ان أقول أكثر.0



تعليق واحد لـ “كلـنــا ذلـك اللـــص * بلال حسن التل”

  1. محمود البطاينة says:

    الاخ محمود نعتذر منك ونرجوا ان يكون التعليق على المقالة وشكراً لك

شارك بتعليق