في ذكرى ميلاد جلالة الملك * بلال حسن التل
الأردنيون أسسوا دولتهم الحديثة بقيادة آل البيت كدولة دوْر ورسالة 
الشرعية الشعبية سرّ قوة الأردن وإضعافها إضعاف للدولة الأردنية
الأردنيون لا يقبلون بديلاً لعمقهم العربي وانتمائهم الإسلامي
من المستحيل ان يفرط الأردنيون بهويتهم وسيادتهم الوطنية
تحيي الشعوب الحية مناسباتها وذكرياتها الوطنية لاستنباط العبر والدروس، والبناء على التجربة بعد التقييم والمراجعة. ونحسب أن ذكرى ميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني مناسبة وطنية، تستحق أن نقف عندها لنراجع مسيرة الدولة التي يقودها جلالته. ولنؤشر على آليات إستمراريتها عالية الهامة خفاقة الراية.
وأول ما نستذكره من مسيرة الدولة الأردنية الحديثة، أن الأردنيين الذين اندفعوا للانخراط في ثورة العرب ونهضتهم الكبرى، واندفاعاتهم القومية المبنية على الإسلام ديناً، هؤلاء الأردنيون لم يستسلموا لما آلت إليه الأمور في بلاد العرب، بعد ان نكث الحلفاء بالوعود والعهود؛ وانقضَّت جيوشهم على دمشق عاصمة المملكة العربية، فانزلوا علم الثورة من على مبانيها، فتلقفه الأردنيون عالياً فوق مبانيهم وقلاعهم ومقار حكوماتهم المؤقتة، التي أسسوها حتى لا تقع بلادهم في حالة من الفراغ السياسي والإداري، فيسهل ابتلاعها. وحتى يتمكنوا من مواصلة العمل من أجل الأهداف التي اندلعت من أجلها ثورة الأمة. وكان الأردنيون فرسانها وقادتها وجندها.
من أجل ذلك راسل الأردنيون الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه. وطلبوا إليه ان يرسل إليهم أحد أنجاله ليواصلوا معه حركتهم المباركة، إنقاذاً لسورية واستمراراً في السعي لتحقيق أهداف الأمة في الحرية والاستقلال. إيماناً من الأردنيين بأحقية آل البيت وأهليتهم لقيادة الأمة. وعندما وصل سمو الأمير عبد الله بن الحسين إلى معان توافد إليه الأردنيون من كل حدب وصوب يبايعونه ممثلاً لأبيه ونائباً عن أخيه. وجهته معهم دمشق لتحريرها، ورفع راية الثورة على مبانيها ومقارها الرسمية. غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن؛ فتكالبت قوى الاستعمار على الثورة ورجالها من الأردنيين الملتفين حول عبد الله بن الحسين طيب الله ثراه. غير ان ذلك لم يحل بين الأردنيين واستمرار الالتفاف حول راية الثورة وحول عبد الله بن الحسين، كممثل لثورة العرب التي صار الأردن قاعدتها الأمينة على أهدافها الساعي إلى تحقيقها، وأول هذه الأهداف تحقيق الحرية والاستقلال لبلاد العرب وتحقيق وحدتهم.
هذه الحقائق التاريخية التي ذكرناها أعلاه تؤكد أن الدولة الأردنية الحديثة قامت كدولة دَوْرٍ ورسالة. هكذا فهم الأردنيون معنى تأسيس دولتهم. وعلى هذا بايعوا. ومن أجل ذلك واصلوا نضالهم وجهادهم. سواء من خلال دعمهم للثورة السورية الكبرى، ولكل الثورات السورية التي قامت في أنحاء متفرقة من سورية. وكان هذا الدعم إمداداً بالسلاح والمال وبالمشاركة الفعلية في معارك الثورات السورية. وهو بالضبط ما حصل أيضاً في فلسطين. حيث قدم الأردنيون أول شهيد على أرض فلسطين في مواجهة العصابات الصهيونية. وظلت مجموعات المجاهدين الأردنيين تواصل هجماتها على المستعمرات الصهيونية، في الوقت نفسه الذي كان فيه الأردنيون يمدون الثورات الفلسطينية المتعاقبة بالمال والسلاح والرجال. ويوفرون للمجاهدين المأوى الآمن. مثلما كان جنود وضباط الجيش العربي الأردني يقومون بتدريب أبناء فلسطين على القتال واستعمال الأسلحة. حتى قبل دخول الجيوش العربية إلى فلسطين عام 1948م.
ومن هذا المنطلق، ظل الأردنيون أيضاً وما زالوا يؤمنون بعمقهم العربي، وبانتمائهم الإسلامي، وبأنهم لا يقبلون لهذا العمق ولذلك الانتماء بديلاً. ولعل هذه من أهم أسباب رفض الأردنيين، كل الأردنيين لمعاهدة السلام مع العدو الصهيوني، فحتى الأردني الذي أضطره موقعه الوظيفي، أو معرفته بتفاوت ميزان القوى مع العدو الصهيوني إلى التفاوض مع هذا العدو، حتى هذا الأردني ما زال ينظر إلى الإسرائيلي على أنه عدو غاصب. ولا أحد في الأردن يؤمن بغير العمق العربي وبغير التحالف الإسلامي.
وإذا كان الأردن قد قام كدولة دور ورسالة، فقد بنى هذا الدور على شرعية دينية، مستمدة من آل البيت بأحقيتهم بقيادة الأمة. بالإضافة إلى أن الإسلام كدين لغالبية الأردنيين وكثقافة لهم كلهم مسلمين ومسيحيين، يفرض على أتباعه ان يعيشوا أحراراً مستقلين، لا يقبلون الدنية في دينهم أو دنياهم؛ كما يفرض عليهم السعي لوحدة أمتهم كتكليف شرعي وكضرورة دنيوية. وهو كذلك يفرض عليهم عدم مهادنة المحتل لأرضهم المشرد لأهلهم.
ومثل الشرعية الدينية فان الشرعية التاريخية تشكل هي الأخرى ركيزة أساسية من الركائز التي أقام عليها الأردنيون دولتهم الحديثة. فالقارئ لتاريخ هذه البقعة من أرض العرب والمسلمين، سيكتشف انها كانت شريكاً أساسياً وفاعلاً في كل مراحل التاريخ، بمكوناته السياسية والاقتصادية والثقافية. فقد كان الأردن والأردنيون شركاء فاعلين في البناء الحضاري للأمة. وهي حقيقية يحاول الكثيرون طمسها لأسباب كثيرة. لعل في طليعتها ترويج أكذوبة ان الأردن كان خالياً من السكان. وبالتالي من السهل ان يستوعب أبناء فلسطين، في إطار السعي لحل مشكلة الاحتلال الإسرائيلي على حساب مشكلة جديدة. فمن المستحيل ان يفرط الأردنيون بحقوقهم وسيادتهم على أرضهم ووطنهم. وقد فاتهم ان الهوية الوطنية الأردنية تزداد بروزاً يوماً بعد يوم في ظل التحديات التي يستشعرها الأردنيون على وطنهم وعلى هويتهم، وسعي بعض القوى إلى طمس هذه الهوية خدمة للمشروع الصهيوني. رغم ان الكثير من أقطار العرب انكفأ على ذاته وصارت هويتها الوطنية مقدمة على سواها؛ بل وأحياناً مناقضة لسواها عربياً وإسلامياً. لكن الأردنيين لن يكونوا كذلك .فهم وهم يعضون على هويتهم الوطنية بالنواجذ، لن يفرطوا بانتمائهم العربي والإسلامي. لأنهم بذلك يفرطون بتاريخهم. ويخونون دينهم. ويغيرون ثقافتهم التي هي جزء من النسيج الثقافي لأمتهم التي يأملون بأن لا تتخلى عنهم.
ركيزة أخرى قامت عليها الدولة الأردنية الحديثة، هي الشرعية الشعبية. فالأردنيون هم الذين بادروا بالاتصال بالشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه، طالبين منه إيفاد أحد أبنائه إليهم. وهم الذين توافدوا على معسكر عبد الله بن الحسين في معان. وهم الذين بايعوه أميراً ثم ملكاً. وهم الذين التفوا حوله، وكانوا قوته التي تبني الدولة. وهي شرعية شعبية غير مسبوقة في تاريخ العرب المعاصر. أخذت زخمها وترسخت على مدار تاريخ الدولة الأردنية الحديثة، عبر سياسة الأبواب المفتوحة، بين آل البيت وبين الأردنيين، الذين ظلوا ينظرون إلى مقر مليكهم على أنه بيتهم الذي لا يغلق بابه دونهم. وظلوا معتادين على مشاهدة ملوكهم وأمرائهم من الهاشميين بينهم: في بواديهم وأريافهم ومدنهم. في مضاربهم ودواوينهم، وأسواقهم. يتواصلون معهم، ويتشاورون فيما بينهم. ويواصلون المشوار معاً. وهذه الشرعية الشعبية هي سرّ قوة الأردن وعظمته وقدرته على الثبات أمام التحديات، لذلك فإن إضعافها إضعاف للأردن وللأردنيين ولدولتهم.
استناداً إلى الشرعية الدينية والتاريخية والشعبية بني الأردن الركيزة الرابعة لدولته الحديثة. وهي شرعية الإنجاز. فقد التف الأردنيون حول دولتهم الفتية وانطلقوا يبنونها بالدم والدمع والجهد والعرق، يواصلون كلالة الليل بكلالة النهار حتى صارت إنجازاتهم في التعليم وفي الطب وفي البنية التحتية .. الخ مضرب الأمثال على قلة ذات اليد. وهي إنجازات يحرص الأردنيون على حمايتها والدفاع عنها بالغالي والنفيس حتى تتوارثها أجيالهم جيلاً بعد جيل.
في عيد جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين يستذكر الأردنيون قصتهم مع آل البيت ويسترجعون تاريخهم. ويتمسكون بدينهم ويدافعون عن انجازاتهم وهويتهم ويجددون العهد على الثبات على المبدأ والدفاع عن ركائز دولتهم