عندما يحتال الأسد هل يظل أسدًا؟! *عزت القمحاوي

11 - 02 - 2012

الراصد نيوز

تعمل الحيلة حين تنقص القوة؛ فالأسد لا يلجأ إلى الحيلة مثل غيره من حيوانات الغابة. هكذا يستنتج عبدالفتاح كيليطو من خلال قراءته لكتاب ‘كليلة ودمنة’ الذي يعرفه الصغار قبل الكبار.

لا حاجة للأسد إلى اللف والدوران إلا إذا هدده أسد آخر من بني جنسه أو أصابه الهرم، لكن كيليطو يتساءل: لكن في هذه الحال، هل يظل الأسد أسدًا؟!

لا يكتفي كيليطو بملاحظاته التي يستخرجها من كتاب غامض النشأة والمؤلف يضع الحكمة على ألسنة الحيوانات؛ فيذهب إلى كتاب مجهول النسب، هو ‘ألف ليلة وليلة’ يستخرج منه عبرة جديدة مدهشة، إذ يلاحظ أن الخليفة في ‘ألف ليلة’ لا يحكي حكاية إلا إذا كان خليفة مخلوعًا!

الخليفة الثابت على سرير الحكم لا يحتاج إلى الحيلة؛ فبوسعه أن يرفع كفه ويسدد صفعة. وقد كان ملوك الغابة في السابق يصفعون؛ صدام حسين يحرق حلابجة بالنابالم من دون أن يرف له رمش، الأسد الأب يسوي حماة بالأرض بدبابات نظامية واضحة دون حاجة إلى مساعدة الشبيحة؛ لأن الأسد الأب (وكان مسنًا) كان أقوى من ابنه الشاب.

السن تقاس بعمر النظام لا عمر الشخص. طعن نظام الأسد في السن وأصابته الشيخوخة والهرم بينما لم يكمل رئيسه الخمسين، مثلما شاخ نظام مبارك، ولو كتب لابنه جمال تسلم السلطة فقد كان سيتسلم سلطة هرمة وطاعنة في العفن، وكان سيصبح هو المخلوع في يناير 2011 بدلاً من والده، لو تلطف القدر وخلع مبارك من الدنيا قبل أن يخلعه الغضب الشعبي.

والمتأمل لعقود قبل الثورات العربية سيكتشف أن الأنظمة أدركت حقيقة شيخوختها قبل أن تعيها الرعية الكارهة، لذلك بدأت الديكتاتوريات في إعمال الحيلة في وقت واحد. حيلة واحدة تقريبًا. حيلة تأليب بعض المجتمع على بعضه وشيطنة كل فئة وطائفة في عيون الفئات والطوائف الأخرى.

عشنا زمنًا طويلاً في لعبة المثقف والأصولي، الشيوعي والإخواني، والمسلم والقبطي، والشيعي والسني. وكانت الأسود المتهالكة تشجع كل قوة على القوة الأخرى بدلاً من التعايش معها. وعندما لا يجد الأسد المريض أصوليًا يمتلك الحماس الكافي لاغتيال كاتب، وعندما لا يجد لدى شيعي الحماس لاغتيال سني، يكلف أجهزته بالمهمة وينسبها إلى الخصم المحتمل.

وهذا التماثل بين المجرمين الذين يقتلون الثوار في الربيع الدموي هو نتاج الحيلة الوحيدة الضاربة في تاريخ الأسود الهرمة، مهما اختلفت الأسماء: بلطجية، بلاطجة وشبيحة. هم من رباهم النظام وعلفهم واستخدمهم قبل الثورات من غير حاجة إلى تسميتهم؛ لأن الحيلة كانت سرية والمهام متفرقة وتتم في الظلام. وعندما صار الموت علنيًا مشهودًا في ميادين الحرية كان لابد من اسم للكائنات التي تهاجم الثوار. الأسدان العجوزان في اليمن وليبيا اتهما تنظيم القاعدة، ويدعي الأسد الشاب العجوز في سورية أن ما يهجم على الثوار والأمن هي ‘العصابات المسلحة’ وفي مصر، التي يتمتع أسدها العجوز بإرث سبعة آلاف عام من الحيلة نجد متعة الخيال المفتوح!

من يقتل الثوار في جريمة إثر أخرى في مصر هو ‘الطرف الثالث’ وقد ترك الأسد العجوز الطاعن في التآمر للقارىء مهمة المشاركة في القصة وتسمية هذا الطرف الثالث، الذي نال في الغالب التسمية الساخرة: ‘اللهو الخفي’!

الراوي في مصر أكثر احترافًا، لأن الغموض نصف متعة الحكاية. لا يتعلق الأمر بالتسمية فقط: أي طرف ثالث وأي لهو خفي؟ وإنما يبقى العديد من الأسئلة معلقًا: من أي قاع بحر خرج القمقم، ومن الذي لعب بالغطاء وفتح للعفريت، وهل يستطيع أن يحلف عليه بالاسم الأعظم لكي يحبسه مجددًا في القمقم مثلما فعل الصياد في ألف ليلة وليلة؟

كل هذا الغموض قد يكون مثيرًا للفضول ومشوقًا كما في ألف ليلة وكليلة ودمنة والأفلام البوليسية. وقد يتصور الأسد العجوز نفسه بارعًا في استدراج الجمهور إلى سماع وجهة نظره من خلال هذا القدر من التشويق. لكنه بهذا يخطىء مثلما أخطأ من قبله الأسد الشاب؛ فالبشر في الأوطان غير الحيوانات في غابة أو في كتاب قصص.

البشر لا ينسون ويحملون ثأرهم في قلوبهم، لذلك كانت حلابجة مسمارًا في نعش صدام وكانت حماة مسمارًا في نعش الأسد، وكانت حيلة تأليب الطوائف والفئات على بعضها البعض مسمارًا في نعش النظام المصري الذي انتهى زمنه ويتعرض للكنس وسوف ينكنس زادت التضحيات أو قلت.

آخر ما في جراب الحاوي هو تصنيع الفوضى والتهديد بالمزيد منها إذا رحل. ولا شيء بعد رحيل الأسود العجوزة إلا الاستقرار وسعادة البشر؛ فلا تصدقوهم.

‘أنا أو الفوضى’ عبارة كالحكم المبرم انطلقت من تونس على لسان زين العابدين، أخفهم قلبًا وأقلهم صفاقة، حيث مضى سريعًا بأقل قدر من المقاومة حتى الآن، لكن مقولته شَرقت إلى مصر، ثم غّربت مجددًا إلى ليبيا، ثم شرّقت إلى اليمن وسورية، ولم تكن الكلمة نبوءة عراف بل تهديد أسد عجوز متهالك يمتلك من الحيلة والأتباع ما يضمن له استمرار التحايل، واستمرار إسالة دماء من رفضوه.

كان زين العابدين أقرب إلى الأسود الشابة منه إلى الأسود الطاعنة في السن، أي كان يستخدم القوة أكثر مما يستخدم الحيلة. لم يفسد التعليم كما أفسده مبارك ولم يلوث ذلك العدد من الأرواح الذي لوثه البليد، لذلك تتعافى تونس بأسرع مما تتعافى مصر.

لكن مصر سنتعافى على أية حال؛ فالحيلة التي يراها كيليطو سلاح الضعيف يمكننا أن نلاحظ أيضًا أنها السلاح الأخير في الوقت ما بعد الإضافي. سقط الصف الأول من الطغاة، وبقيت الجذور تروع البلاد وتعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر.

وسوف ينتهي كل هذا؛ فالأسد العجوز في كليلة ودمنة والسلطان المخلوع في ألف ليلة يحكي الحكايات العجائبية ويصدر البيانات لكي يثبت وجهة نظر أو يقنع الآخرين بسداد فعل، لكنه لا يدري أن ذلك يتطلب مستمعين من السذج الراغبين في الإصغاء.



لا تعليقات لـ “عندما يحتال الأسد هل يظل أسدًا؟! *عزت القمحاوي”

شارك بتعليق