سبّح بحمد ربك أنه أبقى لك فحلا * علي الصراف

09 - 09 - 2010

الراصد نيوز

مثلما يُعدّ جمال مبارك نفسه لوراثة السلطة عن أبيه، يفعل أحمد علي عبد الله صالح، ومثلهما يفعل سيف الإسلام القذافي. وربما كان هناك آخرون، بعد بشار الأسد، تأخذهم الحماسة لكي يؤكدوا ما أصبح تيارا ثابتا في الدول العربية يعلن فشل مشروع الاستقلال، ويؤذن بسقوط الجمهورية .
وحده سيف الإسلام القذافي يستطيع القول أن “باباه” أنشأ “جماهيرية”، وان بضاعته هي بضاعة فوضى، لا تحدد لأحد شيئا. وبالتالي فإن التوريث يمكن أن يصبح أمرا قابلا للأخذ بعين الإعتبار من جانب “الجماهير”.
وأسباب الفشل كثيرة. منها ان الأنظمة التي أقامها الثوريون ظلت من دون أسس دستورية. وظل الثوريون أنفسهم يمارسون سلطاتهم خبط لزق من دون ضوابط ولا معايير، حتى أن المرء ليستطيع أن يغفر للعقيد القذافي انه صحا من النوم ذات يوم ليلغي الحكومة.
فالأحلام التعيسة التي يحلمها قادتنا، وسوء الهضم الذي ربما عانوه في الليلة السابقة، قد يعني الكثير بالنسبة لمصائر بشر ينامون ليلتهم على نظام، ويصحون على زعيم منكوش الشعر، متورم العينين، قرر ان يشطب الدولة قبل أن يُفرّش أسنانه.
وهذا ما يمكن أن يحصل في مجتمعات لا تعرف، وأنت تمشي بحال سبيلك، متى تقذف القرود عليك حبات جوز الهند من أعلى الشجرة. والمدرسة التي يذهب اليها ابنك قد يتم الغاؤها، أثناء درس الحساب، وحتى المسلسل التلفزيوني الذي تواسي به بلواك يُمكن أن يُقطع لكي يتلو عليك الزعيم شيئا من آياته المباركة.
فالزعيم الذي يتصرف بشؤون دولته، وفقا للمزاج يمكن أن يفعل أي شيء، في أي لحظة.
هذا هو النظام الذي أقمناه بعد التخلص من الإستعمار. ومن هذا النظام يتخرج جمال وأحمد وسيف الإسلام بوصفهم أكبر دليل على السخافة والنقص.
طبعا كان الاستعمار يضحك. فهو رأى على وجه التحديد من هم أولئك الذين اعتلوا قمة الشجرة. فإذا كان بعضهم بالكاد يعرف كيف يفك الحرف، فان ذلك لن يمنعه من إطلاق نظرية عالمية ثالثة، و… رابعة إذا شئت.
وظل الإستعمار يضحك لانه كان يعرف أن “ضباطنا الأحرار” قد يعرفون كيف يحولون المجتمع الى صف عساكر، ولكنهم لا يعرفون كيف يديرون نظاما واقتصادا ودولة. فتركنا وجلس ينتظر جثثنا تأتيه طافية عبر نهر الفشل.
فإذا كان بعضنا يحذر من أن الإستعمار “سيعود من الشباك.. بعد أن طردناه من الباب”، فان الاستعمار يستطيع أن يقسم بأغلظ الأيمان بانه لم يحاول، وأن زعماءنا هم الذين يعملون على استرضائه لعله يعود ليستعمرنا من الباب والشباك.
وبمقدار ما يتعلق الأمر بالعقيد القذافي، كواحد من “ضباطنا الأحرار”، فانه بات مستعدا ليس ان يضع صورة سيلفيو برلسكوني على جواز السفر الليبي، بل وصورة إحدى عشيقاته إذا تطلب الأمر أيضا.
كل هذا والاستعمار لا يريد أن يعود.
على إيش يا حسرة؟
يتساءل الإمبرياليون. وهل بقي لديكم ما يستحق أخذه ولم نأخذه أصلا؟
الرعونة حيال مصائر الشعوب لا يعود سببها الى أن الزعيم أرعن بالضرورة، بل ربما لأن الشعب نفسه أصابه الملل من حكاية الإصلاح والتغيير والثورة.
وبعد “ثورة” العقيد، الناس لم يعد لها “نِفس” في أي ثورة. الغثيان و”لعبان النفس” الذي رأوه من جراء تلك “الثورة” كان كافيا ليصيبنا بالعقم، وليقطع نسل كل الثورات!
ولهذا السبب لم تعد تحدث عندنا ولا حتى إنقلابات.
فلا العرفاء باتوا يحلمون برتبة عقيد، ولا العقداء باتوا يرغبون بما يزيد عن ليلة مع هيفاء وهبي لكي تبوس لهم “الواوا” وتحكي قصتها التراجيدية مع “الأح” و”البح”.
في مطلع التسعينيات من القرن الماضي انتهى بعض الباحثين الى القول ان فشل دولة الاستقلال يتطلب البحث عن بدائل تشرف عليها الأمم المتحدة لكي تقيم نظاما يمكنه فتح المدارس وتسيير الخدمات الأساسية، ويضع الموارد في أيدي صناديق خاضعة لمراقبة صارمة لكي لا تقع الأموال في حضن تجار السلطة الفاسدين.
اليوم، وبعد مرور عقدين على تلك الدعوة، يقول احدث تقرير عن تجارة الأسلحة ان المنطقة العربية بددت 12 تريليون دولار خلال هذه المدة. وهو ما يعني اننا لو أخذنا بتلك البدائل لكنا وفرنا على أنفسنا ما تبدد.
والكل يعرف ان زعماءنا يشترون الأسلحة ليس لأنهم فتقوا “ثقب الأوزون” بحروبهم المظفرة، بل لأنهم يدفعون “أتاوة” لكي يبقى كل منهم على قيد السلطة، ولكي يكون قادرا على توريثها أيضا.
لهذا السبب قال فلاديمير بوتين للرفيق المناضل علي عبدالله صالح عندما زاره مؤخرا: “استثمر في الدبابات”. وبدلا من أن يعود هذا الضابط العبقري بمشاريع تنقذ بلاده من نقص المياه، فقد عاد بما قيمته مليار دولار من الدبابات لكي يحارب بها التمرد الحوثي في الشمال والتمرد غير الحوثي في الجنوب.
العقيد الآخر، يعرف انه بالكاد يستطيع أن يكش الذباب. ولكنه مع ذلك يُكدّس أسلحة بمليارات الدولارات، ربما لكي يهاجم بها سجن أبو سليم مجددا. ومن دون أن يخجل فقد ذهب الى إيطاليا حاملا أموال شعبه لكي يستثمرها هناك، وجالبا شركات النفط الاميركية والبريطانية لكي “تستثمر” في بطالة وعوز شعبه.
وكل ما تعطيه الولايات المتحدة لمصر لا يتعدى ملياري دولار سنويا. ولكنها كانت كفيلة بالحفاظ على نظام فساد راسخ ومتقن. فالشاب جمال هو الوحيد الذي يستطيع بقاء حجر القبور على صدور أبناء شعبه.
ذهب خادم السلطان احمد “نظيف” الى الولايات المتحدة في العام الماضي لكي يقول لمستقبليه: نحن فراعنة. هذا هو الحال عندنا. ولا يمشي إلا على هذه الصورة. فالتقط خادم السلطان الآخر سعد الدين ابراهيم الفكرة، فبارك لجمال مبارك ترشيحه، قائلا بوقاحة “عالمة” متمرسة في سياسات شارع محمد علي، “انه ليس توريثا”، وذلك امتدادا مع افتراضه الخاص بوجود تواصل “عالموي” بين ابن خلدون والسي آي أيه.
نحن فراعنة. هذه هي الفكرة التي ورثت كل ما بقي من الثورة، ومنها، فإذا دخلت الى المتحف المصري فماذا سترى؟
سترى شيئين فقط: ملوك وقبور. تأمّل في المفهوم الذي تقدمه كل منحوتات المتحف، ولن تجد شيئا يتعدى ما يعرفه السيد جمال بالفطرة. ولذلك فهو لا يريد أن يفعل أكثر من إستمرار “الحضارة” نفسها كحضارة ملوك وقبور؛ كحضارة فرعون وعبيد.
ومن أجل هذا، وغيره، تدفع الولايات المتحدة ملياري دولار سنويا لتمويل نظام يعرف كيف يقبر شعبه جيدا.
لقد انتهينا من مشروع الإستقلال بفوضى دستورية بكل معنى الكلمة. ولكنها ليست الفوضى الوحيدة ولا الأخيرة. إذ لا شيء يعمل. الاقتصاد يتراجع، والبطالة تزيد، والشباب يميلون الى الانتحار، والأمية عادت لتغزو ما يصل الى نحو 60% من مجموع السكان. وبينما هزمتنا “شقفة” دولة فصعونية مثل إسرائيل، فان ذلك لم يحل دون أن نكدس أسلحة، ربما لكي يثقب بها العقيد القذافي “ثقب الأوزون” من الجهة الأخرى.
والبركة الوحيدة التي حصلنا عليها هي شيء من متاع بليد، نتداول في أسمائه الحسنى من دون حتى شعور بالخجل: جمال مبارك واحمد علي عبد الله صالح وسيف الإسلام القذافي، وآخرون، كأبناء فساد ولدوا وملعقة الذهب في أفواههم، وكبروا لكي يلقوا علينا محاضرات تافهة عن الإصلاح.
وبشيء لا يتعدى مجيئهم من غرفة النوم المجاورة، فانهم من الصفاقة وقلة الأدب، بحيث يجرؤون على تحويل موقعهم في “بيت بابا” الى منزلة سياسية، والى وسيلة يستخفون بها من المجتمع برمته؛ من خبراته ومن نخبه، وليتم قبول سطحيتهم على انها “عبقرية… متوارثة”.
لقد تم خصينا. هذه هي ما كانت النتيجة من معركة الاستقلال والثورة.
ومثلما لا تعود الشعوب المخصية تنتج بذورا للزراعة، فانها لا تعود تنتج ذكورا للسلطة، إلا أبناء الذكر الوحيد الذي ركب على السلطة واستركب شعبه كله دفعة واحدة، بما أتاه الله من قدرة على القتل والتنكيل.
فسبّح بحمد ربك أنه أبقى لك فحلاً.
والتوريث “الجمهوري” قد يكون اختراعا من اختراعات الاستبداد الكلي، إلا انه ليس بحد ذاته المشكلة.
شخصيا، مثلي مثل عشرات الملايين، لا أشعر أني واقف بالدور من اجل الفوز بسلطة. وبالتالي، فسواء آلت الى زيد أو عبيد، فان الأمر لا يشكل بالنسبة لي مشكلة.
المشكلة هي ان ذاكرتهم مع السلطة تبدأ من الحفّاظات، مما يجعلهم غير مؤهلين لمعرفة الواقع، إلا من وجهة نظر السلطة، ومما يجعل لقذارتهم (في الحفّاظة) ولسياستهم (في الكبر) امتدادا تاريخيا واحدا. وهؤلاء آخر من يستحق ان يتولى منصبا. ببساطة، لأنهم لم يبدأوا حياتهم كبشر، بل لم يعرفوا معنى الحياة أصلا؛ يحصلون على كل شيء بالسهل، والفساد جزء من طبيعتهم السايكولوجية، والدولة بالنسبة لهم لعبة “واوا”.
المشكلة الأهم هي إن هؤلاء يريدون أن يتوارثوا السلطة كملوك، ويريدون في الوقت نفسه أن يتصرفوا كقرود. يتحكمون بكل شيء، وبكل المصائر، وبكل الموارد، وبكل جوز الهند في أعلى الشجرة في آن معا.
هل أعطاك الله ما يمكن أن تصير به ملكا؟
مبروك. ولكن على الأقل تصرف كملك. اترك هامشا من السلطة للآخرين. دع الخبرات تعمل من اجل البناء ومعالجة المشكلات المتفاقمة التي تعاني منها بلادك، وابنِ نظاما يستعين بمعايير وقيم دستورية، وكف عن أن تكون أرعن.
تدرب على النفوذ كأمير مهذب، وكن ملكا. لا توجد لدينا أي مشكلة. وستجد أن الملوك لا يملكون صحفا، ولا محطات فضائية، ولا يديرون مؤسسات فساد، ولا يصبحون رؤوساء وزارات، ولا يهرّبون الأموال، ولا يبنون لأنفسهم قصورا في بلدان أجنبية.
اقتل أباك، يقول فرويد. أما أن تواصل رعونته بالإستيلاء على كل شيء، فان السيل قد يبلغ الزبى، الى درجة انك ستكون آخر واحد يحمل جواز السفر الذي توجد فيه صورة هيفاء وهبي، كرمز من رموز السيادة في دولة “الأح” و”البح” التي صنعها والدك.0



لا تعليقات لـ “سبّح بحمد ربك أنه أبقى لك فحلا * علي الصراف”

شارك بتعليق