حالة إنكار بلا أفكار وأزمة حكم لا أزمة حكومة * ناهض حتر
22 - 08 - 2010

” أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي ا
لأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” قرآن كريم
تقلد سمير الرفاعي منصب رئاسة الوزراء من دون أي رصيد سياسي أو فكري أو إنجازات أو حتى مران في الخدمة العامة. هبط على هذا المنصب بالباراشوت من دون مسوّغات سوى كونه سليل عائلة من الرؤساء. وهو ما طبع النظرة إلى حكومة سمير الرفاعي بطابع التوريث السياسي. والتوريث السياسي، بحد ذاته، ليس موجودا في قاموس الأردنيين، وعندما يتم فرضه عليهم فإنهم ينزعون، فوراً، إلى مجافاة نتائجه.
على أن التوريث السياسي ليس مكروها فقط وإنما محرم في الأنظمة الملكية التي تحصر وراثة الحكم في عائلة واحدة، ما يلغي أية شرعية لأي عائلة حاكمة أخرى من حيث المبدأ. وقد اتفق الأردنيون، بالمناسبة، على الملكية النيابية قبل أن يأتي الأمير عبد الله الأول إلى البلاد. ومرد ذلك أن المنظومة الاجتماعية ـ السياسية لشرق الأردن هي منظومة تقوم على المساواة بين العشائر والأفراد داخل هذه العشائر. والملكية التي ترفع العرش أولا بين متساوين هي النظام الملائم لضمان المساواة، أي لضمان عدم تمكين عشيرة أو عائلة ضمن عشيرة من امتلاك حقوق سياسية مميزة عن سواها. وهكذا، فإن تخصيص حق الوراثة بعائلة واحدة يغدو في الآن نفسه شرطا لشرعيتها وللمساواة معا.
سنلاحظ، هنا، أن الدستور الأردني لا يلحظ وجود عائلة حاكمة. ففي الدستور الأردني هنالك: ملك فرد لا عائلة مالكة. ولا ينص الدستور الأردني على أن الملك من العائلة الهاشمية، بل على كونه من نسل الذكور المتسلسل لرجل واحد هو الملك المؤسس. ولذلك، فإن قرابة الملك، دستوريا، ليس لها امتيازات، بل هي تحرم من حقوق مدنية اساسية وعلى رأسها حق الترشح والانتخاب.
وعلى هذه الخلفية، يغدو ترئيس سمير الرفاعي من دون حيثية سياسية سوى كونه نجلاً لرئيس وزراء، بالأساس، مضاداً لروح العقد الاجتماعي السياسي الأردني واستفزازيا للرأي العام. هذا لا يعني، بالطبع، أن أبناء الرؤساء والوزراء لا يحق لهم تولي المناصب العامة، كلا، بل يتولونها بالانتخاب. وكلنا يعلم أن سمير الرفاعي ما كان ليحوز، في انتخابات حرة، على أصوات تؤهله للنيابة، فما بالك للرئاسة. ويعوّض عن الشرعية الانتخابية، عادة، سيرة مقنعة في الخدمة العامة لا تتوفر، أيضاً، لسمير الرفاعي، مما يجعل ترئيسه يقع، حصرا، في خانة التوريث السياسي.
ولدى تكليف الرفاعي، وحتى قبل أن تتضح معالم حكومته وسياساته، كان هنالك استهجان عام لترئيسه عبّر عن نفسه في أشكال عديدة، منها بيان كان يُعد لرفض الترئيس على اساس التوريث. وقد تم تجميد هذا البيان عندما تم الإعلان عن تعيين شخصية وطنية محترمة في موقع نائب الرئيس ( الدكتور رجائي المعشر).
ولربما كانت الواقعية تقتضي من الرفاعي الإبن، أن يدرك مدى ضعف شرعيته ومدى هشاشة وضعه السياسي، فيعمل على استدراك نقاط ضعفه بالتواصل والتشاور والتفاهم مع القوى الاجتماعية والسياسية، ويظهر أنه جدير بمنصبه. إلا أن سمير الرفاعي، ربما مدفوعا بضعفه الجوهري، دخل في عزلة، وبدأ يتصرف وكأنه رئيس وزراء منتخب من قبل أغلبية شعبية، أو كأنه يتربع على قيادة حزب جماهيري قوي يغنيه عن “الشعبية”، ويلزمه بتطبيق برنامج سياسي واضح مدعوم من قبل فئات اجتماعية واسعة.
هناك، للإنصاف، إنجاز محدود واحد لحكومة سمير الرفاعي. ويتمثل في مسعى لضبط المالية العامة للدولة. لكن هذا الانجاز يظل بلا معنى من دون خطة اقتصادية اجتماعية متكاملة لا هي موجودة ولا الحكومة قادرة على تصوّرها عداك عن تنفيذها.
وباستثناء هذا الانجاز النسبي والمهدد ـ وهو خلاصة جهود المعشر ووزير المالية محمد أبو حمور ـ فإن السياسات الحكومية انحكمت لمنطق رد الفعل السلطوي إزاء الحراك الاجتماعي والسياسي المتولد عن معطيات موضوعية ـ لا عن مؤامرة ـ وكل حراك متولد عن معطيات موضوعية لا يمكن صده او قمعه أو تجاهله. وفي بلد يعد ستة ملايين نسمة، فإن تحركات اجتماعية تعني أكثر من سدس المواطنين ( كالمعلمين والمتقاعدين العسكريين وعمال القطاع الحكومي وأسرهم ) كفيلة بنزع الشرعية عن اية حكومة منتخبة، فما بالك بحكومة توريث سياسي؟
قسم من مطالب المتقاعدين العسكريين ليس، بالطبع، لدى الحكومة ـ أية حكومة ـ وإنما هو موضع عمل وطني يتجاوز الحكومات، لكن قسما آخر منها ـ المتعلق بحقوق المتقاعدين المعيشية ـ يتعلق بالحكومة. وهذا هو الحال بالنسبة للمعلمين وعمال القطاع الحكومي والقضاة، ناهيك عن الإعلاميين، وخصوصا الإعلام الألكتروني.
رئيس بلا حيثية سياسية يراكم الأزمات ـ وكلها قابلة للحل وفي مستطاع الحكومة ـ معتقداً أن المدرسة السلطوية في الإدارة هي الجواب المثالي على الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية. هكذا تخلقت الأجواء لولادة الأزمة الأخطر الناجمة عن نشوء تحالف موضوعي بين قوى غير منسجمة، لمقاطعة الانتخابات النيابية المقبلة.
البند الوحيد على أجندة الرئيس هو العناد في استخدام السلطة ضد المجتمع، بما في ذلك استصدار قوانين مؤقتة هي بطبيعتها غير دستورية، ويضاف إلى انعدام دستوريتها، إنعدام شعبيتها كقانون الضريبة على الدخل وقانون الضمان وقانون الانتخاب العام وقانون تجريم الصحافة الالكترونية.
لقد كنت واحدا ممن عملوا ـ ودفعوا الثمن ـ لتأكيد الولاية العامة للدوار الرابع. وكان الاجماع الوطني الذي تشكل للمطالبة بالولاية العامة للحكومة في مواجهة مراكز القوى، يهدف الى تجاوز الصراعات بينها، وتركيز السلطات التنفيذية في جهة شرعية هي الحكومة، تملك الصلاحيات للحوار الوطني والقرار وتكوين البرامج وتتحمل المسؤولية إزاء البرلمان والرأي العام.
إلا أن ما حصل يدعونا للتحسرعلى عهد صراعات مراكز القوى! فالجهة الشرعية الدستورية المناط بها الولاية العامة ـ الحكومة ـ وُضعتْ تحت ولاية رئيس غير شرعي. وعلاوة على انعدام شرعيته، فإن منظوره العام وتجربته وشبكة علاقاته محددة مسبقاً لا في قطاع الأعمال بعامة كما كان بعض الرؤساء السابقين، بل في إطار شركة واحدة هي شركة دبي كابيتال التي تحوّلت إلى ما يشبه الحزب الحاكم في نظام شمولي. ومثلما تعبيء الأنظمة الإنقلابية، المواقع الحكومية والعامة من الجيش ـ كجهة ولاء ـ يفعل الرفاعي الشيء نفسه مع رجال ونساء دبي كابيتال.
ثم هناك ذلك العناد السلطوي الذي يحسبه الرفاعي صفة “للحكم القوي” وهو لا يعدو افتعال أو تضخيم أزمات يمكن حلها من خلال الاعتراف بوجودها والحوار حولها. وهذه هي ميزة نائب رئيس الوزراء، الدكتور رجائي المعشر، والذي سعى إلى حوارات إيجابية حول ملفات الأزمات مع أصحابها. لكنه كان، في كل مرة، يحاور ويتوصل إلى إطار للتفاهم، ما يفتأ الرفاعي يهدمه، وكأنه يريد منع أي تفاهم مع القوى الاجتماعية.
الدكتور رجائي المعشر ليس فقط ضليعا في الشؤون المحلية، بل يتمتع باحترام محلي قاد الكثيرين إلى غض النظرعن ترئيس سمير الرفاعي والتفاؤل بحكومة ذات صدقية. إلا أن الرفاعي الذي أفشل جهود المعشر، مرة بعد أخرى، يطمح اليوم إلى تلافي العزلة من خلال موظفة علاقات عامة ” للشؤون المحلية ” استوردها من لبنان! وعلى رغم أن الوظيفة صغيرة في حكومة معزولة ومكروهة، إلا انها تكشف نظرة الرفاعي نحو الأردن والمجتمع الأردني بحيث يفكر في الحكم كإدارة علاقات عامة. ولا ننسى التطاول المستمر على البلد حين يتم تعيين من لا حيثية له للتعامل مع الحيثيات.
قبل أسابيع كان قانون ـ اصفه بالإجرامي ـ قيد التمرير الحكومي. وهو تعديل على قانون الزراعة يسمح بتمليك وتأجير الأراضي الحرجية. وهو ما سيؤدي ـ ابتداء ـ إلى تدمير 40 بالمئة من الثروة الحرجية النادرة في البلاد. تم إرجاء القانون لكن علينا أن نتذكر دائما أن 450 دونما حرجية في دبين تسربت إلى ملكية دبي كابيتال على الرغم من احتجاجات اجتماعية وبيئية واسعة من قبل المواطنين والمجتمع والجمعيات البيئية. واستطيع القول إن الهاجس الأول لسمير الرفاعي هو إيجاد الظروف لتمكين دبي كابيتال من الاستيلاء على الأراضي الحرجية في البلاد. وهو ما ينبغي التيقظ له، لأن كثيرا من التخريبات الحكومية يمكن إصلاحه لاحقا، لكن ضياع الثروة الحرجية لا يمكن تعويضه.
لدى التعديل الوزاري، توهمنا أن الرفاعي قد قرر النزول من على الشجرة. إلا أن وزراء مثل خالد الكركي وعلي العايد وهشام التل فاجأونا (!) بأنهم جاءوا إلى وزاراتهم من اجل تنفيذ السياسات الدكتاتورية نفسها. وجاء الرفاعي بتابعه سمير مراد وزيرا للعمل بهدف وحيد هو إحكام سيطرته على الضمان الاجتماعي التي يرأس وزير العمل مجلس إدارتها، بينما عيّن الرفاعي، أحد موظفيه، مديرا عاما للمؤسسة التي لها في ذمة الحكومة حوالي 170 مليون دينار دفعتها على حساب شراء أرض دابوق من دون أن يتم تسجيل الأرض باسم المؤسسة … والحبل على الجرار!
الضمان الاجتماعي هي آخر المعاقل الاقتصادية والمالية للمجتمع الأردني. فكل المؤسسات والمرافق العامة والشركات والمناجم …الخ تمت خصخصتها أو بيعها. ولم يعد هنالك سوى ممتلكات واموال الضمان … في تصرف إنموذج اقتصادي يقوم على الهدر والفساد وتمويل الطبقات الكمبرادورية.
على اننا لسنا في مواجهة أزمة حكومة، بل في مواجهة أزمة حكم ناجمة عن تجاهل حقيقة أنه لم يعد بالإمكان إدارة الدولة والمجتمع الأردنيين بالوسائل القديمة.
- فالخصخصة ـ بمعناها الشامل ـ ونشوء نظام سيطرة البنوك والشركات، والإنشقاق الطبقي الحاد بين أقلية مثرية وأكثرية مهمشة ومفقرة، سوف يولّد موضوعيا حركات احتجاج اجتماعية وصراعاً طبقياً. وهناك ثلاث وسائل لإدارة هذا الصراع: إقامة دكتاتورية صريحة للشركات تمنع الرأي الآخر وتفتح المعتقلات. وهي مواجهة سيكون عمرها قصيراً وتؤدي الى اخطار على مجمل النظام، عدا عن كونها وسيلة حكم لم تعد ممكنة محلياً ودولياً أو إقامة نصف دكتاتورية ـ كما تحاول حكومة الرفاعي مثلا ـ بحيث تتم المحافظة على شكليات ديموقراطية مقيدة ومجوّفة. وهو وضع سيؤدي إلى انتفاضة عاجلة. وأخيراً، فإن هنالك حلا ديموقراطيا يتمثل بالاعتراف بالقوى الاجتماعية المتضررة من الخصخصة واللبرلة والاعتراف بمنظماتها قانونيا، وبالتالي تنظيم الصراع الاجتماعي في إطار سلمي وقانوني .
- والتحولات الاقتصادية ـ الاجتماعية الليبرالية المعتمدة منذ عقد ونصف أدت إلى ما أسميه “استبدال التموضع السياسي” بالنسبة لقوى اجتماعية أساسية كانت محسوبة على الموالاة كالمتقاعدين العسكريين والمدنيين والمعلمين والعاملين في القطاع العام.
إن التحولات المذكورة همشت هذه الفئات وطحنتها وحولتها الى بروليتاريا حكومية.
إن قمع هذه الفئات أو تجاهلها سوف ينشيء معارضة خارج النظام، وسيؤدي الى تفكك الإدارة والفوضى.
إن نشوء الحركات الاجتماعية من قلب جهاز الدولة، ليس ناجماً عن مؤامرة ما أو عن تحريض ما ولا يُستهان بها بالنظر غلى أن قادتها من صفوف الشعب. فهي ناجمة عن تحولات موضوعية ومن الطبيعي أن تفرز قيادات من بين صفوفها لا من نادي النخبة. ولن يؤدي الأسلوب القديم من مساعي شق صفوف هذه الحركات أو السعي الى شراء بعض قياداتها أو قمعهم إلى نكوص تلك الحركات، فهي ستستمر وتتصاعد وتفرض حضورها ربما في صراع طبقي وسياسي مكشوف لا يمكن تقدير عواقبه.
ومن الواضح أن الاعتراف بالحركات الاجتماعية وقوننة أطرها وتمكينها من العمل السياسي والنقابي المشروع هو وحده الكفيل ليس بإلغاء الصراع ولكن بضبطه في إطار ديموقراطي.
- إن السياسات المتبعة بشأن التوطين السياسي والمحاصصة، رفقة تكون الطبقة الجديدة واللبرلة الاقتصادية وإفقار الريف، هي التي، وليس المحرضين، السبب وراء نشوء الحركة الوطنية الأردنية بمعناها الأعم. إن جماهير العشائر تستيقظ وتبحث عن إطار وهوية وأفق اجتماعي وسياسي. وهي حركة لا يمكن قمعها أو تجاهلها. ويمكن لخبراء وعتقية النظام السياسي، تشغيل ذاكرتهم السياسية ليروا أن كل محاولات قمع نشوء الحركة الوطنية الفلسطينية منذ أواسط الستينيات قد فشلت. ومن العبث تكرار المحاولة البائسة مع الحركة الوطنية الأردنية.
لا نشك بأن الجهات الحكومية قلقة حقا من تنامي ظاهرة العنف العشائري. لكننا نؤكد ـ بالمقابل ـ على أن تلك الظاهرة ناجمة عن السياسات الحكومية الاقتصادية التي تهمش العشائر وعن سياسات شق الصفوف والتطاول الأمني على أبناء العشائر، وأخيرا وليس آخرا عن قانون الانتخاب العام المفصل لتفتيت المجتمع.
- وتسعى السياسات الرسمية إلى تحقيق نهجها في التوطين السياسي والمحاصصة بوسائل سلطوية وإدارية لتجاوز الحاجة الملحة إلى تغيير النظمة السياسية باتجاه ديموقراطية جذرية. إن التعيينات والتسهيلات الحاصلة في ضوء نهج المحاصصة، تتجاوز القانون والدستور ـ كما حصل مثلا في تعيين محمد صقر الذي لم يستكمل شروط المواطنة في وظيفة سيادية ـ تثير هواجس الشرق أردنيين وغضبهم ولكنها، في الوقت نفسه، لا ترضي الفلسطينيين، لأن المحاصصة الحاصلة تتم بين أعضاء الطبقة الجديدة من شبكات الكمبرادور التجاري والسياسي، ولا تتم بآليات ديموقراطية. والأمر أن القيادات الحكومية والعامة من اصل فلسطيني، والمعينة بدوافع طبقية، لا تمثل الفئات الاجتماعية الفلسطينية ـ الأردنية، ولا تحظى بالشرعية من وجهة نظر الشرق أردنيين. وهو ما يجعل المحاصصة سلاحا لهدم الدولة.
- وتلح حكومة الرفاعي تحديدا على تجاهل الانفجار الإعلامي الحاصل بسبب الانترنت. لقد أصبحت الصحافة الكبرى القابلة للسيطرة الحكومية من الماضي. والمستقبل هو للصحافة الألكترونية غير القابلة للسيطرة والتي يصدرها أفراد ومجموعات صغيرة برساميل محدودة وجهود شخصية. وهو ما يجعلها من الكثرة والتنوع بحيث أنه يصبح من المستحيل شراؤها جميعا أو قمعها كلها. فالصحافة العنكبوتية هي مثل إسمها تماما وإلغاؤها يتطلب إلغاء الشبكة!
إن تأثير عدد من المواقع الألكترونية تجاوز من حيث عدد القراء والتفاعل، المؤسسات الإعلامية الكبرى واودى بها. والصحافة التقليدية تلفظ في الواقع انفاسها الأخيرة، وتسير نحو التلاشي، بينما أصبح التلفزيون الحكومي بلا تأثير وسط فضائيات يصعب عدها.
كان قمع الأسبوعيات وتجفيف مصادرها ممكناً، لأن الأسبوعيات تنتمي إلى الصحافة القديمة من حيث احتياجها إلى مقرات ومصاريف طباعة وكادر ورواتب وتوزيع الخ كلها تحتاج الى تمويل كاف وكلها تقع تحت تأثير سلطوي. لكن ليس هذا هو الحال بالنسبة للمواقع الألكترونية التي تحتاج قدرا اقل من التمويل والكادر ولا تخضع لآليات الطباعة والتوزيع وتقتحم البيوت وتبني جمهورها المتسع يوميا من خلال التفاعل.
في المستقبل القريب سوف يدرك المعلنون أنهم لن يصلوا الى الجمهور عبر الصحف الورقية، وسيحدث انقلاب في سوق الإعلان يؤدي إلى تحسين الأداء المهني للمواقع من خلال كادر أكثر مهنية يتلقى أجورا أكثر إنصافاً، لكن ذلك لن يؤدي إلى ضبط سقف الحرية حيث يبحث المواطنون المتعطشون للخبار والرأي الآخر عن المواقع الأكثر جرأة.
الصحافة الألكترونية حقيقة واقعة لا يمكن طمسها، بل فقط السعي الى تنظيمها بالتوافق مع صحافييها، والتعايش معها، ومنافستها. ويظن سمير الرفاعي، بسبب انعدام الرؤية لديه، بأنه قد ينتصر على الزمن!
في كل ما سبق وغيره كثير.. هنالك ما يمكن تسميته “حالة إنكار” للواقع والتطورات الاجتماعية والسياسية والثقافية، تؤدي إلى تفاقم أزمة الحكم. والمخرج الوحيد الممكن ـ وإلى وقت محدود حيث لن يعود بعدها صالحا ـ هو الإعتراف بالواقع والتطورات والصراعات وتنظيمها في إطار دستوري وقانوني. وهو ما يتطلب الانتقال الفوري إلى ديموقراطية كاملة وفق دستور 1952 وقانون انتخابات على أساس النسبية والاعتراف القانوني بالحركات الاجتماعية والقوى السياسية الجديدة وشرعية المطالب الوطنية وإتاحة الحريات العامة وفي مقدمها بالطبع حرية الكلمة.
الديموقراطية، بالطبع، ليست الحل. ولكنها تشكل إطارا سلميا للتوصل إلى تسويات داخلية للمشاكل المطروحة، وطنيا واقتصاديا واجتماعياً.
لا تعليقات لـ “حالة إنكار بلا أفكار وأزمة حكم لا أزمة حكومة * ناهض حتر”