العادات العشائرية بين الاستمرارية والزوال * فايز شبيكات الدعجة

21 - 08 - 2010

الراصد نيوز

سلط المشاركون vintage-fountain-pens1في ندوة خاصة حول العادات العشائرية نظمتها مؤخرا الجمعية الوطنية للدفاع الاجتماعي الأضواء على الواقع المتردي الذي آلت إليه العادات العشائرية, وتراجع دورها في الضبط الاجتماعي فلم تعد إحدى الوسائل المهمة لمنع الجريمة وإحلال السلم العشائري, وعرض الخبراء الميدانيون معاناتهم بسبب ميوعة التقاليد, واختفاء التماسك العشائري, وغياب تأثير الكبار, وتهميش دور الوجهاء, وظهور رموز دخيلة (لا تزيد الطين إلا بلة) عند تأزم العنف المجتمعي أبرزت تطاول الصغار على حصافة النخب العشائرية ووقارهم في مجالس فض النزاع, ورفض التقيد بقرارات التهدئة والالتزام بصكوك اتفاقيات إصلاح ذات البين, وتحريك الأوضاع نحو التوتر والتصعيد في ابرز قضايا العنف النازف وأكثرها تعقيدا.

تناولت إحدى أوراق العمل بالتفصيل ثلاثة اتجاهات حول العادات العشائرية المتخذة في ساحة العراك المجتمعي.

يرى الاتجاه الأول ضرورة الغاء الممارسة الرسمية لتلك العادات وعدد مساوئها الكثيرة كمظهر من مظاهر التخلف كان لها مبرراتها فيما سبق ولعبت دورا مهما في حفظ الأمن في مرحلة ما قبل نشأة الدولة الأردنية وسيادة القانون. والاتجاه الثاني كان وسطيا ويرى تهذيبها والاتكاء على بعض مظاهرها كعامل مساعد في الاستقرار وفرض النظام.

أما الوجهة الثالثة فقد بدت متلعثمة وتمسكت بضروريات بقائها رغم كل العيوب على اعتبارها موروثا يوفر أركان الاستقرار والطمأنينة لبقية أعضاء العشيرة إذا ما اقترف احد أبنائها جريمة تبعث على الانتقام.

ومما ذكر في الندوة انه بسبب قضية عشائرية واحدة تم إجبار ست وعشرون عائلة على الجلاء إلى مناطق بعيدة عن مكان إقامتها على عجل إلى فترات غير محددة ربما ستستمر لسنوات خشية الغدر والأخذ بالثأر, ويتعرض آلاف المواطنين الأبرياء الآن إلى حياة ضنك ومشبعة بالرعب, والعيش على ما يشبه الصدقات بعد فقدان وظائفهم ومصادر رزقهم لنفس السبب تطبيقا لتلك العادات بما فيهم الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى ومما يجعلهم عالة على العائلات المضيفة التي بالكاد تستطيع تامين لقمة العيش لأفرادها.

وفي مداخلة محزنة أطلت على مشهد المأساة الأوسع وقيلت على سبيل الدعابة اقترح احدهم إنشاء مجمعات ايواء خاصة بدل الإقامة في المدارس او في بيوت العشيرة المستضيفة, مع توفير خدمات متكاملة كالتعليم والصحة لغايات رعاية ضحايا مسلسل النزوح العشائري المفاجئ الناجم عن العنف المجتمعي المتكرر طلبا للنجاة, والفرار من شبح الموت الذي يطاردهم, والتهديد الذي يستهدف حياتهم بلا ذنب او فعل اقترفوه, لكنها دعابة تعكس بصدق واقع المأساة, وحقيقة المصائب التي تحل بالبؤساء ممن لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بفعل شيطاني طائش اقترفه من لا علاقة لهم به سوى قدر الانتماء لنفس العشيرة.

اغلب الظن أن ظروف الانحطاط وحالة الانفلات ألامني التي مهدت لظهور القوة القبلية الضاربة والعادات العشائرية كضوابط ضرورية لسد فراغ التغيب الحكومي الذي رافق مرحلة زوال مقومات الدولة آنذاك كانت ظروفا إقليمية شاملة وليست أردنية على وجه الخصوص, لكنها تلاشت في مجتمعات الجوار عندما تكونت الدول وسادت القوانين.

وتعكس المسلسلات البدوية الأردنية حقيقة ظروف اللادولة حين تروي قصص الغرام الدامي, وكابوس الغزو المتصل, وكيفية تقاسم الكلأ والماء, إضافة إلى مهمة تأمين الحراسة لقوافل الحج والتجارة وحمايتها من السلب والنهب مقابل الأجر في مناطق نفوذ واسعة امتدت خارج البيداء وكانت القبائل الأردنية جزءا لا يتجزأ من منظومة الحياة القبلية السائدة حين ذاك.

الأسئلة التي تفرض نفسها بإلحاح تترد عن كيفية انتظام القيم وصيانتها وفرض الأمن في كل المجتمعات والدول التي لا وجود لمصطلح العادات العشائرية في قواميسها, ولا تعرف معنى العطوة والجلوة, ولا تمارس طقوسها, ومع ذلك فهي ليست بأسوأ حالا منا. ثم ماذا لو بدأت عملية التخلص التدريجي الحازم من هذه العادات باتخاذ الخطوة الأولى واقتصار الجلوة على الجد الثالث بدل الخامس لتخفيف حدة الشتات العائلي تطبيقا لمضمون قرار وجهاء المملكة المتخذ في المؤتمر الذي عقد عام 1987 برعاية المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه.

وما تجدر الإشارة إليه أن أحكام قانون الإشراف على البدو لسنة ,1936 وقانون الإشراف على البدو رقم 18لسنة ,1942 وقانون محاكم العشائر وقانون تأسيس محكمة الاستئناف العشائرية لسنة ,1936 وقانون منع الجرائم بين الحمائل والعشائر رقم 47 لسنة 1935 التي نظمت الشأن العشائري كانت تسري على عشائر رحل محددة حصرا في فلسطين وشرق الأردن بموجب تلك القوانين, وتم التخلص منها بإرادة وتصميم قانون تلو الآخر وزالت بلا مضاعفات تذكر. الأمر الذي يشجع على دخول تجربة إلغاء هادئ ومتدرج لعادة الجلاء السيئة والإصرار على الانتهاء من كل تبعاتها والمظاهر الشبيهة المتصلة بها.0



لا تعليقات لـ “العادات العشائرية بين الاستمرارية والزوال * فايز شبيكات الدعجة”

شارك بتعليق