الحل على طريقة حماه… رائد شما
30 - 01 - 2012

“فذكرإنما أنت
مذكر لست عليهم بمسيطر”
التذكير لا ينفع مع من يبحث عن ثأر قديم!!
بدأت المجزرة السيئة الذكر في شباط 1982 وتحديداً في الثاني من شباط، اليوم الذي تستعد صفحة الثورة السورية المدارة من الإخوان المسلمين إحيائها بعد أيام على طريقة العد التنازلي المشوق. لم يسمح نظام الأسد الأب للصحفيين بدخول حماه وانقطعت أخبار المدينة المنكوبة إلى بداية شهر آذارعندما جمعت السلطات طلاب المدارس الشرعية في القرى المجاورة لكنس المدينة وتنظيف الشوارع من الدم وتجميع الجثث التي نهشت الكلاب أغلبها…التاريخ يعيد نفسه في سوريا وكأن تاريخنا يسير عل تقويم شعب المايا الدائري (الزمن عند شعب المايا يبدأ من نقطة ينتهي فيها). نعم الأسد الأب ارتكب مجزرة بكل معنى الكلمة “ضد أبناء قبيلة أخرى” مدعومين من الخارج، لكن ما فعله لا يختلف عما فعله صدام حسين في البصرة وحلبجة وعما كان سيفعله لو أنه واجه تمرد شيعي مدعوم من إيران…. نصيحة ماكيافيلي “دمر المدينة المتمردة قبل أن تدمرك” هي النصيحة التي عمل بها حافظ الأسد ونجحت.
لا أقصد بهذا أن النظام الآن هو وحده من يبحث عن حل على طريقة حماه بل ما أريد توضيحه هو أن الظروف الدولية والداخلية هي من يدفع الأمور نحو مجزرة جديدة أو حتى مجازر.الحل على طريقة حماه ليس حالة حصلت في تاريخ القبائل مرة احدة بل هو سمة أساسية لشكل الحوار السياسي بين الحاكم وشعبه وبين القبائل فيما بينها. السياسة العربية لم تخرج من منطق القبيلة. ما أقصده هنا بالقبيلة ليس (اتحاد العشائر) ولا مسلسل الزير السالم لكن القبيلة هي ما يستند عليه الحاكم في توطيد أركان حكمه، وقد تكون هذه القبلية السياسية مبنية عل أساس طائفة، منطقة جغرافية، مدينة، قرية، عشيرة، قبيلة،فصيل من الجيش، أو ربما حارة (كما في مسلسل باب الحارة) أو مزيج من بعض هذه العناصر.. سياسة الخصم لا تخرج عادةً عن سياسة الحاكم أي أن التمرد يستند أيضاً على أحد هذه العناصر أو بعضها. الصراع في سوريا الآن ليس بين شعب يطالب بالحياة بكرامة والتخلص من نظام استبدادي فاسد بل إنه “جهاد” أعلنه من نصب نفسه صوت للأغلبية السنية ضد الأقلية الحاكمة “الكافرة”. تذكير صفحة الثورة السورية بمجزرة حماه أتى بعد فترة قصيرة من إعلان البعض الجهاد، هذا الإعلان الذي أطلق رصاصة الرحمة على الحراك الشعبي ليكشف عن الطائفية البغيضة التي تحكم علاقة السوريين فيما بينهم. الأسد الأب والطائفة العلوية ككل لطالما أعلنوا أنهم جزء من الدين الإسلامي وفرقة من الشيعة ولعل الفتوى الشهيرة التي أصدرها الإمام “المغيب” موسى الصدر، صديق الأسد الأب، والتي اعتبر فيها العلويين مسلمين شيعة تظهر سعي الأسد لإعطاء شرعية دينية لحكمه والرد على علماء السنة الذين يعتبرون العلويين ديناً منفصلاً عن الإسلام أو أي من الديانات السماوية الأخرى أي أنهم كفرة وفتوى “شيخ الإسلام” ابن تيمية التي تحلل قتل “النصيريين” أو العلويين هي ملخص الحوار القبلي بين الطرفين.
لكن كيف يمكن أن نستبشر خيراً ممن أعلن الجهاد عل مكون من مكونات الوطن… هل أصبحت الثورة مرادفاً للجهاد… أم أن الأقنعة سقطت ولم يعد لها ضرورة!!! المجاهدون الاسلاميون في سوريا يتعاملون مع الأسد الابن كما تعامل الإخوان مع أبيه “ككافر” عدو لله… لا تجوز ولايته لأسباب شرعية. لم يستطع الجيل الشاب من الإسلاميين والذي يدير المعركة من الخروج عن قاعدة الآباء في التعامل مع المسألة الطائفية… وكأن ابن تيمية يطارد الإسلاميين في أحلامهم…. اقتلوا النصيريين!!! اقتلوا الكفرة!!! اثأروا لحماه!!! حي على الجهاد!!!
عندما أعلن الإخوان مدعومين من الأردن والعراق “الجهاد” على الكفرة (قبل مجزرة حماه) حسم الأسد الأب أمره…. إما أن تقتل أو أن تُقتل… اليوم… فإن المجاهدين الإسلاميين مدعومين من نفط الصحراء أعلنوا الجهاد على النظام وبالتالي على العلويين…. التاريخ يعيد نفسه!!! لم يتركوا للطوائف الأخرى ومن بقي لديه عقل سوى التفرج عليهم، ولم يتركوا لبشار الأسد ومعه الطائفة العلوية سوى القتل من أجل البقاء.. على بشار أن يستمر في القتل ليستمر بضكحته “الجميلة” ههههه وإلا فإنه ومن معه سيبكون دماً.
ما يميز النظام القبلي هو التعاضد بين أفراد المنظومة القبلية ضد الأعداء القبليين أو ضد أبناء القبائل الأخرى بشكل عام…الشعور الوطني غائب تماماً ويستخدم غالباً كغطاء للنوايا القبلية وبالتالي فإن مصلحة القبيلة تأتي قبل مصلحة الوطن… البقاء للأقوى والأكثر إجراماً وبأساً. وهنا لا بد للتنويه بتجربة الجيش السوري “الباسل” فقد أثبت هذا الجيش أن الجندي الجائع “أبو شحاطة” لا يدافع عن وطن أو نظام… بل إنه عند غياب الولاء الطائفي والقبلي يبيع نفسه لمن يطعمه. وأن الولاء للقبيلة “الطائفة” هو وحده ما يضمن عدم انشقاق الجندي.
لفهم العقلية القبلية للسياسة العربية المعاصرة لابد من العودة إلى أصل هذه الظاهرة المترسخة في الصحراء العربية والتي عجز الإسلام عن القضاء عليها بل ساهم في نقلها معه… ففي الصحراء جعلت ندرة الماء والموارد الأخرى البدوي يتحول إلى ذئب مدركاً بأن استمرارية بقائه في أغلب الأحيان تكون عل حساب بقاء القبائل الأخرى واستمراريتها. مشكلة الصحراء تكمن في عدم وجود موارد ومراعي تكفي الجميع وبالتالي تضمن عدم حصول صراع. أي مصدر جديد للماء أو الكلأ قد يكون الأخير، مما يجعل الجميع يسعى للسيطرة عليه بأي ثمن. وهنا يتحول الجميع في ظل هذا المنطق إلى صياد وطريدة أو ذئب ونعجة….أي إلى قاتل ومقتول. طبيعة الحياة في الصحراء وعدم وجود سلطة أعلى لحل النزاعات أو الخلافات بطريقة حيادية تجعل العنف والثأر أساساً للحل وتصفية الحسابات …عند اعتداء إحدى القبائل على الأخرى… قبيلتك أو عشيرتك تحت الهجوم… وعليك مناصرتها…. في ظل هذا المنطق البدائي الهمجي “وهو بلا شك عكس منطق المدنية أو ربما عكس الدولة المدنية الحديثة(التي لم افهم معناها حتى الآن) والتي يغني الإسلاميون لها طرباً، وفي ظل اللاقانون تصبح الطريقة الوحيدة لضمان البقاء هي أن يُفهمَ البدوي أبناء القبائل الأخرى أنهم سيدفعون الثمن غالياً إذا ما فكروا بتهديد وجوده أو بقاء قبيلته. ترتكز التحالفات في ظل النظام القبلي عل أساس العائلة فالعشيرة فالقبيلة.. الولاء للقبيلة أكثر تقديساً وأهمية من أي اعتبارات أخرى… أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب … الغريب قد يكون غير المسلم أو من طائفة أخرى أو ابن منطقة أو قرية أخرى أو حارة أخرى … (عودة إلى مسلسل باب الحارة)… الكم أهم من الكيف، والقدرة على جمع عدد أكبر من الرجال هي مقياس القوة وما يعطي للقبيلة قيمتها. وهذا ما يفسر أن العديد من العائلات ذات الأصول العشائرية في مناطق من بلاد الشام تتكنى بأسماء بصيغة الجمع (الطراطرة، الشراشرة،العبيدات،العودات،الطليمات،الضريطات…) لإعطاء الخصوم انطباع عن عددهم الكبير ومغبة الدخول في نزاع معهم. في عالم الذئاب أي إشارة ضعف أو تنازل هي مسألة خطرة، فهي تعطي إشارة أن صاحبها تحول من ذئب إلى نعجة وبالتالي سيتحول إلى “منسف”. ولا أحد يريد أن يصبح منسفاً في الصحراء. وللتذكير فقط هذه الفكرة تنطبق على طرفي النزاع الحالي في سوريا.
ماذا يجري الآن؟
معركة الجمل “الثانية” بدأت وكلام السيد جمال خاشقجي وهو من المقربين لصانع القرار السعودي، بأن دخول سوريا في تحالف مع إيران كان خطأ تاريخياً وأن هذا الخطأ جاري تصليحه لإعادة سورية إلى الأم “السنية” الحنون، لا يترك مجالاً للشك أن الصراع في سوريا طائفي وجزء من حرب إقليمية وتصفية حسابات قديمة.
وبعد التصعيد السعودي والقطري الواضح، وسحب المراقبين العرب، يبدو أن الأوامر جاءت بنقل الصراع إلى أطراف وضواحي دمشق للضغط على النظام وإظهاره أنه في مراحله الأخيرة. لا أعتقد أن النظام دخل فعلاً في مرحلة سكرات الموت لكنه بالتأكيد بات في موقف حرج سيدفعه لارتكاب مزيد من المجازر لحسم الأمور أو على الاقل لإضعاف خصمه بقدر الإمكان قبل أن يسقط.
الإسلام السياسي هو المشكلة والعائق الوحيد ولعلي لا أبالغ أنه السبب لصمود النظام وعدم سقوطه. لن أطالب الإسلاميين بخطاب وطني لأنهم لن يفهموا ما أقصده وليس من أولوياتهم…لكن لن أصفق لهم ولغبائهم… سقوط النظام وصعود الإسلاميين لن يحل المشكلة ولن يدخل سورية إلى المرحلة الديمقرطية، بل سيحول سوريا إلى لبنان كبير وسيفككها إلى دويلات في أحسن الأحوال، ولعل التحركات الكردية الأخيرة في مؤتمر أربيل تمثل قلق الأقليات وبحثها عن حل يضمن حقوقها في حال جاءت طالبان سوريا إلى الحكم. المجلس الوطني بقيادة الإخوان لا يختلف كثيراً عن الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث، والتعددية الإسلامية (إخوان، حركة العدالة والبناء،والسلفيين ، وإسلاميين مستقلين….) في هذا المجلس تشبه التعددية الحزبية في ظل نظام الأسد.
مجلس الإخوان …. ابداعات مستمرة
“أبوس روح” الأستاذ القدير سمير النشار عضو المجلس الإسلامي الوطني على هذا الإلقاء الرزين المتمكن… كم استمتعت وأنا أتابع بيانك البليغ وإعلانك أن الغليون سيتجه إلى مجلس الأمن ليتعلثم ويتأتئ مطالباً بحماية دولية… أستاذ بشارأبوس روحك “وش وأفا”… كما أحيي السيد وليد البني على نظراته الثاقبة التي تقض مضاجع النظام. عند مشاهدة أحمد رمضان يبتسم إلى الكاميرا والاكتفاء بسماع نقيق رضوان زيادة دون مشاهدته، أصل إلى نتيجة واحدة فقط هي أن مستقبل سوريا سيكون أسوأ من حاضرها.
…….
ما أجمل الموت في بلادنا..الذهاب إل الجنة أمر يدعو للحسد من قبل الكثير من السوريين فالشهيد سيحصل على الحور العين ويتخلص من الحياة الممتعة في سوريا فهنيأً له والحسرة على الأحياء الذين يناورن الموت والجوع والبرد وينتظرون دورهم بفارغ الصبر.
يلعن روحك!!
لا أريد أن أحاضر بالإسلاميين في دينهم لكن اللعن في الميت حرام حتى لو كان “كافر” كحافظ الأسد ولعن الميت من الكبائر… والله أعلم.
من هو الشهيد؟
الشهيد بالمعنى الوطني للكلمة هو من يسقط دفاعاً عن أرضه وشعبه في مواجهة أعداء البلد… وبالمعنى الإسلامي هو من يسقط في مواجهة “الكفار”. الجندي العلوي الذي يسقط دفاعاً عن نظام بشار ليس شهيداً سورياً بل شهيد الطائفة العلوية وحدها وشهيد النظام. أما المجاهد الذي علف بمال الخليج ومات في سبيل قتل العلويين النصيريين الكفار فإنه ليس شهيداً لسوريا ولا لأرضها بل هو شهيد الأمة الإسلامية “السنية” وشهيد عرب ضرطي… قتلى الحرب الأهلية ليسوا شهداء بل قتلة تم قتلهم…
كلمة أخيرة
لا تدخِلوا الأطفال في صراعاتكم ولا تتاجروا بهم ولا تعلموهم قذاراتكم….دعوهم على الحياد.
4 تعليق لـ “الحل على طريقة حماه… رائد شما”
تتكلم وكأن المشكلة بالشعب وليست في النظام الذي يريد ان يعتبر الشعب مثل قطيع الغنم يأكل ويشرب وينام ما سحقنا غير كتاباتكم
حاولت جاهدا ان اجد جملة مفيدة في هذا المقال ولكن للاسف ما وجدت.
مقال لامس الواقع , تطرق الى نقطة القبيلةفي معناها العام , وهي أحد أسباب الأزمة في سوريا
عفوا الصورة اللي بتحاول تثير تعاطفنا فيها لشهداء صبرا وشاتيلا وهاد الرابط
وبتمنى منك ما تكون حجر شطرنج , حيث ما مالت الرياح تميل http://www.hamasna.com/yaseen%20day/massacre.htm
والله يرحم اموات المسلمين اجمعين // شهداء حماة وشهداء صبرا وشاتيلا وكل اموات المسلمين