الحديث عن الاموات افضل من الاحياء * د. محمد صالح المسفر
24 - 08 - 2010
![]()
اعترف باني احترت
فيما اكتب لقرائي هذا الأسبوع، أحداث كبيرة في الشرق تتزاحم على العقل العربي، منها الانسحابات الوهمية للقوات الأمريكية من العراق، يعقبها قوة إحلال أخرى تتشكل من المرتزقة وطابور خامس ، وبقاء قوات أمريكية في العراق لا تقل عن 60 ألف جندي أمريكي، وفشل أعوان أمريكا في العراق عن تشكيل حكومة طبقا لقواعد الديمقراطية الأمريكية المستوردة، وقبول الدولة العباسية في رام الله بالتفاوض المباشر مع أركان الدولة الصهيونية مطلع الشهر القادم في واشنطن دون قيد أو شرط، واستمرار المعارك بين النظام السياسي في اليمن ومعارضيه في الشمال والجنوب وحتى الوسط.
معارك في السودان في ولاية دارفور بين قبيلة المسيرية والزريقات، والنظام السوداني اشغل عن التنمية والإصلاح بامور متفرقة، المعارضة طرف في ذلك الإشغال، منها الحرب الحاقدة في دارفور التي تقودها عناصر لا يهمها إلا الشيء الذاتي الأناني الحاقد، والاستفتاء على مستقبل الجنوب السوداني، قضية البوليزاريو (الصحراء الغربية) ومشرع الاستقلال عن المملكة المغربية أو الحكم الذاتي، لبنان وما ينتظره بعد انتهاء شهر رمضان، الخليج العربي والمستقبل المخيف .
بعد صراع مع القلم والفكر تجرعت كأس آلام أمتي وجراحها وقررت الهروب من واقع هذه الأمة المظلومة من حكامها ونخبها السياسية إلى عالم الأموات فمنهم العبر واليهم المصير. والحق أنني انشغلت بأمر الملك رضوان ملك حلب عام (1090م) وصراعه مع أخيه دقاك ملك دمشق، واستعان كل منهما ضد الآخر بالفرنجة المتربصين ببلاد الشام على أبواب أنطاكية، واستدعاء ملك العلويين في مصر لمناصرة رضوان ضد شقيقه، وانشغلت بصلاح الدين وحروبه من مصر إلى الشام إلى الكرك إلى اليمن إلى أفريقيا إلى الحجاز وتوحيد الأمة العربية وانتصاره على الفرنجة وإسقاط دولتهم في القدس وتحريرها منهم بعد مضي 80 عاما من الاحتلال، كل ذلك جرى بعد الوحدة العربية في عهد صلاح الدين .
( 2 )
اليوم ابقى مع الأموات للحديث عنهم فهم خير من ‘الأحياء الأموات’ في هذه الأمة. كان آخر الأموات الدكتور غازي القصيبي الوزير والسفير والمستشار والشاعر والقصاص وكل ذلك وأكثر، لقد اشغل الدكتور القصيبي رحمه الله العامة والخاصة في حياته وفي مماته، وقد حظي بتغطية إعلامية لا سابق لها في تاريخ المملكة العربية السعودية، وحديثي اليوم عن القصيبي ولا انتقص من حقة ومكانته العملية والعلمية والأدبية وتعود معرفتي بالقصيبي إلى أواخر الستينات من القرن الماضي عندما كان يعد أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه عن حرب اليمن في جامعة لندن، وغبنا عن بعض طويلا، تقلب في مناصب رفيعة المستوى، واختلفنا حول عاصفة الصحراء وما يكتبه في الصحافة بعنوان ‘ في عين العاصفة ‘ لن اكتب عن القصيبي رحمه الله اليوم فقد كتب عنه من هو ابلغ مني وأكثر لقاء به واعرف بأسرار حياته . ما استوقفني هو هذا الاهتمام الإعلامي الهائل غير المسبوق بوفاة القصيبي، فقد سبقه إلى الدار الآخرة عمالقة في الأدب والفكر والسياسة والتاريخ والاقتصاد في المملكة السعودية، لم يحظ أي منهم بهذا الاهتمام، اذكر من العمالقة الذين سبقوا القصيبي إلى الدار الآخرة الشيخ بالله الطريقي، والعلامة حمد الحاسر، وعبد الله عبد الجبار والأديب الكبير حمزة شحاتة وغيرهم. الطريقي رحمه الله قدم للأمة العربية اكبر انجاز في عالم النفط لم يسبقه إليه احد، صاحب شعار قولا وفعلا ‘بترول العرب للعرب’، صاحب مشروع مناصفة الارباح بين الشركات الأجنبية والدولة السعودية، وغير ذلك من الانجازات التي مابرحت المملكة تجني ثمار عمله وكذلك الدول النفطية، صاحب فكرة ‘ منظمة أوبك ‘ ونذكر المؤرخ والجغرافي الشيخ حمد الحاسر، صاحب أول مجلة عربية وطنية تصدر في نجد ‘اليمامة’، وتعدد إنتاجه عن جغرافية المملكة وتاريخ قبائلها ومواقعها على الخريطة الجغرافية وغير ذلك، ونذكر الأديب الكبير حمزة شحاتة وإنتاجه الأدبي الواسع شعرا ونثرا والمربي الكبير عبدالله عبد الجبار ودورة في التعليم في مرحلة من أصعب المراحل الزمنية، هؤلاء من قصصنا ومن لم نقصص في هذا المقام أكثر .
ما أردت قوله أن من يموت وهو في السلطة تنكس له أعلام الدول تعبيرا عن الحزن، وتتناول وسائل الإعلام محاسن صاحب السلطة أن كان أميرا أو وزيرا أو مديرا، مات محمد عابد الجابري ومن قبله ادوارد سعيد ومن ذكرنا أعلاه وغيرهم، وقد ملأوا الدنيا ضجيجا أدبا وعلما وفكرا ومواقف ولم نسمع أن مدرسة عربية أو شارعا أو كلية سميت بأي من أسماء اؤلئك العمالقة.
آخر القول: رحم الله موتانا الذين قدموا لامتهم خيرا وفكرا منيرا.
ما أردت قوله أن من يموت وهو في السلطة تنكس له أعلام الدول تعبيرا عن الحزن، وتتناول وسائل الإعلام محاسن صاحب السلطة أن كان أميرا أو وزيرا أو مديرا، مات محمد عابد الجابري ومن قبله ادوارد سعيد ومن ذكرنا أعلاه وغيرهم، وقد ملأوا الدنيا ضجيجا أدبا وعلما وفكرا ومواقف ولم نسمع أن مدرسة عربية أو شارعا أو كلية سميت بأي من أسماء اؤلئك العمالقة.
آخر القول: رحم الله موتانا الذين قدموا لامتهم خيرا وفكرا منيرا.